حين يصبح المخاطَب هو المعركة: لماذا تفشل القرارات حين نخلط بين من يملك السلطة ومن يُوجَّه إليه الكلام
Hatched by Noway
May 20, 2026
7 min read
0 views
74%
هل المشكلة في القرار أم في صياغة «لمن» يقال القرار؟
أخطر ما في كثير من القرارات العامة ليس مضمونها فقط، بل الجهة التي تتخيلها وهي تتحدث إليها. فقرار قد يكون حاسمًا في المبدأ، ثم يبدو كأنه ارتباك في التطبيق لأن الخطاب كله موجَّه إلى شخص غير صحيح: مسؤول بدل المتضرر، تقنية بدل إنسان، صياغة قانونية بدل حقيقة معيشة. في لحظة واحدة يمكن أن تتحول السياسة إلى ساحة التباس، لأننا لم نعد نعرف: من المخاطَب؟ ومن المعني؟ ومن المسؤول عن ماذا؟
هذه ليست مجرد مشكلة لغوية. إنها مشكلة حضارية. فحين يختلط «إلى من» مع «لمن»، يصبح من السهل أن نكسب معركة في الورق ونخسرها في الواقع. وحين نسيء فهم الضمائر الرمزية في الحياة العامة, تتبدل القرارات إلى أدوات لتبادل اللوم، لا لتصحيح المسار.
أكثر الأخطاء فتكًا ليست تلك التي تقع في الفعل، بل تلك التي تقع في تحديد الجهة التي ينبغي أن يتوجه إليها الفعل.
من هنا تبدأ الحكاية الحقيقية: ليس السؤال هل القرار صحيح أم خطأ فقط، بل هل بُني على تصور سليم لعلاقة السلطة والاختصاص والخطاب والمسؤولية؟
حين تتكلم السلطة مع نفسها
في المجال العام، كثيرًا ما تُصاغ القرارات كما لو أن المخاطَب هو السلطة نفسها: الوزير يرد على الوزير السابق، المؤسسة ترد على المؤسسة، والملف يُدار داخل دوائر مغلقة من التبرير المتبادل. لكن الجمهور لا يعيش داخل هذه الدائرة. المتضرر لا يسمع «التاريخ الإداري»، بل يسمع أثر القرار على حياته: من سيُبتعث؟ من سيُمنح فرصة؟ من سيُحرم؟
هنا تظهر مشكلة دقيقة: السلطة حين تتكلم مع نفسها تظن أنها تتواصل. لكنها في الحقيقة قد تمارس نوعًا من الانغلاق البلاغي، حيث يصبح الرد على الاتهام أهم من إصلاح الواقع. فيبدو القرار كما لو أنه ينتصر في السجال، لكنه يخسر في العدالة.
لنأخذ مثالًا بسيطًا. شركة تلغي خدمة دعم كانت تعتمد عليها شريحة من العملاء. إذا خرج المدير ليشرح القرار بلغة محاسبية باردة، ثم رد على الانتقادات بلغة دفاعية، فلن يفهم الناس أين تذهب مصالحهم. أما إذا بدأ بالسؤال: من هو المخاطَب الحقيقي هنا؟ العميل؟ الموظف؟ السوق؟ فإن الصورة تتغير. كثير من الأزمات ليست نقصًا في المعلومات، بل انحرافًا في تحديد المستفيد والمتضرر.
هذا يفسر لماذا تبدو بعض السياسات وكأنها تملك منطقًا داخليًا متماسكًا، لكنها تفشل خارجيًا. هي صحيحة بالنسبة إلى متحدثها، لا بالنسبة إلى من ستصيبهم نتائجها. والفرق بين الأمرين هائل. فالقرار العام ليس بيانًا لغويًا، بل فعلًا يغيّر توزيع الفرص والأعباء.
الطب، القانون، والسياسة: ثلاثة ميادين يختبر فيها الغموض نفسه
ثمة خيط عميق يربط بين الطبيب والقاضي والوزير: جميعهم يعملون في مناطق لا يمكن حسمها بوضوح تام. الطب يواجه جسدًا معقدًا لا يكشف أسراره كاملة. القانون يواجه وقائع يصعب إثباتها بلا شك مطلق. والسياسة تواجه مجتمعًا متشابكًا يتأثر بالقرار بطرق غير متوقعة.
لكن الخطر لا يكمن في التعقيد ذاته، بل في إغراء استخدام التعقيد كغطاء. الطبيب قد يقول إن الخطأ صعب الإثبات، والقانوني قد يشير إلى صعوبة البرهنة، والسياسي قد يختبئ خلف تفاصيل الإجراءات. عندها تصبح صعوبة الإثبات حجةً لتأجيل المساءلة، لا لفهم الحقيقة. وهنا يحدث الانزلاق: من الاعتراف بتعقيد الواقع إلى تحويل التعقيد إلى درع ضد النقد.
كل نظام لا يميّز بين تعقيد الحقيقة وتعقيد التبرير، ينتهي إلى حماية نفسه بدل خدمة الناس.
فكر في امتحان المدرسة. إذا أخطأ الطالب في مسألة صعبة، لا نقول إن صعوبة المسألة تعفيه من التفكير. بالعكس، الصعوبة هي سبب الحاجة إلى التفكير. كذلك في الطب أو السياسة أو الإدارة العامة. كون النتيجة معقدة لا يعني أن المسؤولية غير قابلة للفحص. بل يعني أن الفحص يجب أن يكون أكثر دقة، لا أقل.
القاعدة هنا مهمة: صعوبة الإثبات لا تساوي استحالة التقييم. يمكن ألا نعرف كل شيء، ومع ذلك نعرف ما يكفي لنسأل الأسئلة الصحيحة: هل اتُّخذ القرار بشفافية؟ هل كانت البدائل واضحة؟ هل وُزعت المخاطر بعدالة؟ هل خدم القرار من يفترض أن يخدمهم؟
الفرق بين «إلى» و«لـ»: ما الذي يكشفه الضمير عن العدالة؟
اللغة الصغيرة تكشف أحيانًا عن البنية الكبرى للفكر. من أدق الأسئلة التي قد تبدو نحوية لكنها في العمق أخلاقية: إلى من يتجه الفعل؟ ولمن يُوجَّه؟ الفرق بين «إلى» و«لـ» ليس مجرد حركة في الجملة، بل انتقال في مركز الاهتمام.
عندما نقول إن القرار وُجِّه إلى جهة ما، فنحن نصف اتجاه الخطاب. لكن حين نقول إنه صُمم لـجهة ما، فنحن نصف الغاية. والخلط بين الاتجاه والغاية هو أصل كثير من سوء الفهم في الشأن العام. قد تُرسل مؤسسة تعميمًا «إلى» موظفيها، لكن التعميم ليس بالضرورة «لهم». قد يُطلب من الناس أن يصبروا «إلى» حين لاحق، لكن ليس «لأجل» مصلحتهم. هنا يتضح الفرق بين التواصل والإنصاف.
خذ مثال المستشفى. قد تُعلن الإدارة أنها خاطبت المرضى عبر رسائل نصية، لكن إذا كانت الرسائل لا تفسر الإجراءات بوضوح، فالمخاطبة هنا شكلية. المريض ليس مجرد رقم وصلته رسالة، بل شخص يحتاج إلى معنى، وإلى حق في الفهم، وإلى مسار يراعي هشاشته. الأمر نفسه في المدرسة: إبلاغ الطلاب بقرار جديد لا يكفي إن لم يكن القرار نفسه مفصَّلًا لصالح تعلمهم.
وهنا جوهر المسألة: العدالة تبدأ حين نعيد تعريف المخاطَب الحقيقي. ليس كل من يُرسل إليه الخطاب هو المقصود به. وليس كل من يُذكر اسمه هو صاحب المصلحة. لذلك يفشل كثير من الإصلاح حين يكتفي بسؤال: من يجب أن يعلم؟ بدل: من يجب أن يستفيد؟ ومن يجب أن يتحمل الكلفة؟
لماذا تخلق القرارات السيئة لغة دفاعية حول نفسها؟
القرار الضعيف لا يعيش منفردًا. إنه يبني حول نفسه قشرة لغوية. هذه القشرة قد تتخذ شكل تبرير قانوني، أو إحالة إلى استثناءات، أو استخدام عبارات عامة مثل «المصلحة العامة» و«الظروف الاستثنائية» و«التطوير». المشكلة ليست في هذه العبارات بحد ذاتها، بل في استخدامها عندما تكون بلا اختبار عملي.
اللغة الدفاعية تعمل كمرآة مائلة. فهي لا تكذب دائمًا، لكنها تُعيد ترتيب الواقع بحيث يبدو القرار أقل قسوة وأكثر ضرورة مما هو عليه. ومع تكرار هذه اللغة، يضيع السؤال الأهم: هل القرار خفف الضرر أم وزعه على الضعفاء؟
يمكن تشبيه ذلك بعلاج طبي ذو آثار جانبية خطيرة. قد ينجح العلاج في جانب، لكنه يخلق ضررًا في جانب آخر. الطبيب الجيد لا يكتفي بالقول إن الهدف نبيل، بل يشرح التوازن بين المنفعة والمخاطرة. كذلك القرار العام. لا يكفي أن يكون له مبرر نظري. يجب أن تكون كلفته موزونة أخلاقيًا، وأن تكون الجهة التي تتحمل الكلفة هي نفسها القادرة على تحملها، لا الطرف الأضعف.
وهنا نصل إلى معيار بالغ الأهمية: القرار العادل ليس الذي يبدو سليمًا في اللغة فقط، بل الذي ينجح في توزيع الأعباء على نحو مفهوم ومحتمل. إذا كان القرار يستفيد منه النظام ويُحمّل تكلفته للأفراد، فثمة خلل حتى لو كانت العبارات منمقة.
نموذج عملي: اسأل هذه الأسئلة الخمسة قبل أن تصدق القرار
حين نواجه قرارًا عامًا، نحتاج إلى أكثر من التأييد أو الرفض السريع. نحتاج إلى بوصلة تحليلية تفكك العلاقة بين المخاطَب والغاية والمساءلة. جرّب هذا النموذج:
-
من المخاطَب الحقيقي؟ هل الخطاب موجَّه فعلاً لمن سيتأثر، أم لمن يملك سلطة الرد؟
-
من يتحمل الكلفة؟ هل الكلفة تقع على الطرف القادر على امتصاصها، أم على الأضعف؟
-
ما الذي يُقال وما الذي يُخفى؟ هل اللغة تشرح القرار أم تحميه من الفحص؟
-
هل صعوبة الإثبات تُستخدم لفهم التعقيد أم لتعطيل المساءلة؟ الفرق بين الاثنين هو الفرق بين الحكمة والتحصين.
-
هل القرار قابل للتعديل بعد ظهور أثره؟ القرار الناضج ليس معصومًا، لكنه يملك آلية تصحيح.
إذا لم تجد إجابات واضحة، فغالبًا المشكلة ليست في جزئية صغيرة. المشكلة أعمق: هناك خلل في هندسة العلاقة بين السلطة والمعنى.
Key Takeaways
- اسأل دائمًا من هو المخاطَب الحقيقي قبل أن تحكم على أي قرار: أهو الجمهور، المتضرر، أم السلطة نفسها؟
- لا تخلط بين صعوبة الإثبات واستحالة المساءلة. التعقيد لا يعفي من الفحص، بل يفرض دقة أعلى.
- قيّم القرارات من خلال توزيع الكلفة، لا من خلال جمال اللغة أو قوة التبرير.
- انتبه للغة الدفاعية مثل «المصلحة العامة» و«الضرورة» و«الاستثناء»، فهي قد تشرح القرار أو تخفيه.
- ابحث عن آلية التصحيح. القرار الجيد لا يدّعي الكمال، بل يعترف بإمكان الخطأ ويحتوي طريقًا للمراجعة.
في النهاية: العدالة ليست فقط أن تُقال الحقيقة، بل أن تُقال لمن تعنيه
كثير من الناس يظنون أن الأزمة في العالم العمومي هي نقص القرارات. لكنها في أحيان كثيرة أزمة توجيه قبل أن تكون أزمة محتوى. نعرف ماذا يقال، لكننا لا نعرف لمن يقال، ولماذا يقال، ومن الذي يدفع ثمنه. وحين يختل هذا الترتيب، تتحول السياسة إلى شبكة من الرسائل المتبادلة بين من يملكون الصوت، بينما يبقى المتأثر الحقيقي خارج الإطار.
الدرس الأعمق هنا بسيط لكنه صعب: المعنى لا يكتمل إلا إذا وصل إلى المخاطَب الصحيح، والعدل لا يكتمل إلا إذا وصلت الكلفة إلى الجهة الصحيحة. بين «إلى» و«لـ» مسافة صغيرة في اللغة، لكنها في الواقع قد تكون المسافة بين إدارة الدولة وإدارة الالتباس.
إذا أردنا قرارات أفضل، فلا يكفي أن نسأل: هل القرار قانوني؟ أو هل هو إداري؟ أو هل هو ضروري؟ يجب أن نسأل سؤالًا أقدم وأذكى: من الذي يتكلم مع من، ولأجل من؟ لأن هذه هي اللحظة التي يبدأ عندها الفهم، أو يبدأ عندها الانحراف.
Sources
Hatch New Ideas with Glasp AI 🐣
Glasp AI allows you to hatch new ideas based on your curated content. Let's curate and create with Glasp AI :)
Start Hatching 🐣